زكي مبارك
97
عبقرية الشريف الرضي
يحتاج الشعر إلى فراغ من هموم العقل ليستطيع الشاعر أن يعاقر الغناء ، وكذلك يمكن القول بأن الشريف لم يدرك كيف يكون اعتلاج الشوق إلا وهو يسامر الخيال في الصحراء ، وقد نظر فرأى ثروة الأدب العربي لم تتكون إلا من أصول الأخيلة البدوية ، أخيلة الأعراب الذين اتسع وقتهم للغناء ، فمضى يتحدث عن مواطن ومعالم ومنازل لا يمكن أن تتسع لها جميعا مسالك الطريق إلى الحجاز ، وبذلك تحول الحب في قلبه إلى معركة وجدانية لا تعرف الرسوم والحدود ، وإنما تتميز بما ترى القلوب من أشواظ وأقباس . وكان للشريف في ذلك المذهب نجاة من فضول الباغين والعادين ، فهو يحنّ إلى ديار لا يراها البغداديون إلا إذا استنجدوا طيف الخيال ، وهو يذكر أسماء كان لها في أذهان الناس صور قدسية ، لأن الشعراء الأوائل كانوا خلعوا عليها أفوافا من السحر الحلال . كان طريق الحج فرصة للتعرف إلى طوائف من الحسن المكنون وكان موسم الحج فرصة للتعرف إلى ألوان من الجمال تفرقت في بلاد اللَّه ثم التقت في ساحات الحجيج ، فكان صاحبنا يطالع كتاب الحسن بعناية وإمعان ، وكان كتاب الحسن في موسم الحج مختلف السطور والخطوط فكانت فية سطور شامية ، وسطور مصرية وتركية ، وسطور مغربية وأندلسية ، وكانت فيه كلمات بالحروف اليمنية والجاوية والهندية ، وكان الشريف من أقدر الناس على فهم الرموز من خطوط الجمال . وهنا يبدأ الخطر على ذلك القلب الحساس من هنا نعرف كيف كان الشريف كثير الأسى والحنين ، فالذي يشهد مواكب الحسن من مختلف الشعوب في موسم لا يدوم غير أسابيع لا يستطيع